السيد عباس علي الموسوي

330

شرح نهج البلاغة

من خوفه جعل لهم من مضايق البلاء فرجا فأبدلهم العز مكان الذل والأمن مكان الخوف فصاروا ملوكا حكاما وأئمة أعلاما وقد بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم ) بقي المستضعفون تحت حكم الجبابرة والطواغيت ولكنهم كانوا يتمردون على حكمهم ويثورون في وجوههم وبقوا كذلك حتى علم اللّه صدق إيمانهم وصبرهم على الأذى في جنبه ومن أجله وفي محبته ووقف سبحانه على أنهم يتحملون مكروه الدنيا خوفا من مكروه الآخرة فجعل لهم من هذه الأزمات والمضايق فرجا فتدخل سبحانه لإنقاذهم وإخراجهم من أيدي الظالمين فتبدلت أحوالهم وتغير شأنهم فأبدلهم اللّه العز مكان الذل القديم والأمن والاطمئنان مكان الخوف القديم فصاروا ملوكا حكاما بعد كونهم عبيدا مملوكين وجعلهم اللّه أيضا أئمة يقتدي بهم الناس لعظمتهم بعد أن كانوا تابعين ، فآمالهم التي كانوا يأملونها لم تبلغ بهم الحقيقة التي وصلوا إليها الآن ، بل الحقيقة أكبر مما كانوا يأملون وكذلك قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ . . . . ( فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والأهواء مؤتلفة والقلوب معتدلة والأيدي مترادفة والسيوف متناصرة والبصائر نافذة والعزائم واحدة ) لفت أنظار المخاطبين وحثهم أن ينظروا كيف حقق الضعفاء أعلى المنازل وأسمى المراتب كيف حطموا القيود وفتحوا السدود . . . كيف صاروا حكاما وقادة لقد حققوا كل ذلك عندما كان الزعماء والوجهاء وأهل الحل والعقد على اتفاق كلمة ووحدة هدف . . . عندما كانت أهواء الجميع متفقة مؤتلفة كلها تريد اللّه وترغب فيما عنده وتريد تحطيم الطاغوت ورفع مظالمه . . . عندما كانت القلوب معتدلة في طريق الخير تتوجه إلى اللّه بدون ظلم والأيدي كلها متعاونة يسند بعضها البعض ويعين بعضها البعض . عندما كانت السيوف متناصرة تشهر كلها نحو رفع الظلم والاضطاد . عندما كانت العقول والفطن واعية تعرف كيف تتحرك ومن أجل أي هدف تتحرك . عندما كانت أحوالهم بهذا الشكل المتقدم كان النصر لهم وتولوا إسقاط الطواغيت وجلسوا على كراسي الحكم وبلغوا درجة الإمامة ومرتبة القيادة . . . ( ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين وملوكا على رقاب العالمين ) إنهم بذلك الجهاد وباجتماعهم ووحدة كلمتهم تربعوا على كراسي الحكم وحكموا العباد والبلاد . ( فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة وتشتتت الألفة